وهمُ التواصل: حين صار العيد "إشعاراً" لا يطرق باباً

انتهى العيد بالأمس، لكنه لم يترك خلفه ذلك الضجيج المحبب الذي اعتدناه في ذاكرتنا. مرّ هادئاً لدرجة تثير التساؤل: هل تغير الزمان أم أننا نحن الذين استبدلنا دفء اللقاء ببرودة الشاشات؟ في الماضي، كان صباح العيد يكتبه الأطفال بضحكاتهم وتدافعهم عند الأبواب، وبطرقاتهم الخجولة التي تطلب "العيدية" وتنشر الفرح في أزقة الحارة.

 أما اليوم، فقد سكنت البيوت، وغابت تلك الحركة العفوية، وكأن الجدران التي تفصلنا عن جيراننا أصبحت أعلى مما كانت عليه، فلم نعد نسمع خلفها إلا صمتاً غريباً. لقد قيل لنا يوماً أن العالم أصبح "قرية صغيرة" بفضل التكنولوجيا، لكن يبدو أن هذه القرية جعلت القلوب تبتعد بقدر ما اقتربت الهواتف. 

 أصبحنا نختصر مودة عام كامل بجملة "نسخ ولصق" نرسلها لمئات الأشخاص بضغطة زر واحدة، مستبدلين العناق الصادق برمز تعبيري بارد، والزيارة العائلية باتصال فيديو سريع نؤديه كواجب ثقيل نخشى فيه ضياع الوقت. لقد تحول العيد من طقس اجتماعي يجمع الأرواح، إلى مجرد إشعار يضيء شاشة الهاتف ثم يختفي في زحام التطبيقات.


 والمفارقة المؤلمة هي أننا لم نعد نلتقي إلا "بالصدفة" في أروقة المطاعم والمقاهي المزدحمة. هناك، وسط ضجيج الغرباء، نبدي دهشتنا وتفاجأنا برؤية بعضنا البعض، ونتبادل سلاماً عابراً في مكان عام، بعدما كانت بيوتنا هي الحاضنة الأولى لهذه اللقاءات. لقد تخلينا عن "جمعة البيت" وكعك العيد الذي تفوح رائحته في الممرات، لنبحث عن العيد في أماكن تجارية لا تمنحنا سوى متعة مؤقتة. إذا استمررنا في الهروب خلف تبريرات التطور والاختصار، فقد يأتي يوم يصبح فيه العيد يوماً للراحة من العمل فقط، بلا روح، وبلا طرقات تعيد الحياة لأبوابنا المغلقة.

تعليقات